الانسان عبد للمال : سؤال يراود الجميع

 الإنسان عبد للمال : الأبناك و القروض 

في الماضي القريب ، و عن أواخر الثمانيات و بداية التسعينات نتحدث. لم نكن نسمع كثيرا عن البنوك بحكم أننا ولدت في أسرة متوسطة آنذاك . و بالنسبة للبنك فهو قد كان عبارة عن مكان لحفظ المال لمن يملك فائضا منه . 

أما الإقتراض فكان بين الأصدقاء و أفراد العائلة بدون ضمانات . و كان الفرد يلجأ للإقتراض في الحالات القصوى حين يستوفي كل السبل المتاحة . إذ أن الإقتراض لم يكن سلوكا مشرفا .و كان طلب القرض أو السلف من أشخاص آخرين مصدرا للخجل و موقفا لا يحسد عليه الشخص . لذك كان الفرد كما قلنا يقترض فقط عند الضرورة القصوى و يقترض فقط المبلغ الذي سيحتاج إليه ذون زيادة أو نقصان عليه . 

الإقتراض أيضا كان مقرونا غالبا بالوقوع في ورطة ، فلم يكن الفرد يقترض بدافع الإستمتاع و الرافهية أو إشباع الشهوات . و إنما كان الإقتراض لحل المشاكل و الضائقات المالية المفاجئة مثل الإصحابة بمرض ما أو حدوث حادث مفاجئ ، أو دفع غرامات مالية أو مخالفات قانونية . 

ما الذي تغير بين الأمس و اليوم ؟ 

لقد تغيرت أمور كثيرة ، تغير نمط التفكير ، تعريف الأولويات و الضروريات ، إتسعت الفجوة بين طبقات المجتمع ، غاب المنطق و حلت مكانه الرغبات و الشهوات . رغبة في إرتقاء السلم الإجتماعي ليس بالرفع من حجم الدخل ، لكن بالرفع من حجم الإتفاق . 

اليوم لم يعد الاقتراض عيبا ، فالأبناك فعلت ما فعلته شركات التبغ عندما كان يعتبر التدخين عيبا . لقد تم الدفع بسخاء لتغيير الأفكار و المبادئ و الحقائق الخفية . 

الأبناك أنفقت بسخاء على الدعاية طيلة العشرين سنة الماضية لتلمع صورتها . لتظهر لك أنها سندك في الحياة . أنها الصديق المخلص حينما يتخلى عنك الجميع .و بعدما كان الإقتراض من الأبناك عملية معقدة و مخصصة للأغنياء ، أصبح الإقتراض متاحا لشريحة أوسع من الناس ، و بجميع المبالغ و أحيانا حتى بدون ضمانات سداد كافية . لا يهم هل ستدفع أم لا . ما يهم هو أن تقترض المرة الأولى ، و بعدها ستصبح مدانا و ستقترض قروضا جديدة لتسديد القروض القديمة . 

الأمر شبيه إلى حد كبير بأسلوب تجار المخدرات بالتقسيط . المرة الأولى سيعطيك جرعة بالمجان أو مقابل ثمن بسيط ، لأنه يعلم أنك ستأتيه غدا بكل ثروتك ، متوسلا أن يقبل بأخذ مالك مقابل إعطائك جرعة أخرى . 

الأبناك لم تتقبل فكرة وجود أشخاص داخل المجتمع لا يستهلكون القروض . يجب على الجميع أن يقترض ، على الجميع أن يصبحوا زبناء . لأن المشكل مع الغير مقترضين ليست فقط لأنهم ليسوا زبناء للأبناك ، لكن لأنهم يشكلون جبهة مقاومة ضد القروض داخل المجتمع . لأنهم الأصوات التي تنصح الآخرين بعدم الإقتراض و توفي الحذر . لأنهم يشكلون الصوت الآخر المناقض لصوت الدعاية الإعلامية التي تدفع مقابلها الأبناك لشركات الدعاية و العلاقات العامة . 

لنأخذ مثلا القروض الاستهلاكية . الحقيقة أن البنك لا يساعدك لأنه ببساطة لا يسألك عن الغرض من القرض الاستهلاكي لا طالما لديه الضمانات بأنك قادر على السداد ، و إذا سألك فليس بغرض التوجيه و النصيحة . 

لنأخذ مثالا من أجل توضيح الفكرة:

لنفرض أن كمال موظف بسيط براتب متوسط . كمال لديه مشكل حقيقي مع وسائل النقل صباحا لأنه يذهب لعمله باكرا و غالبا ما يتأخر في الوصول مما يعرضه للتوبيخ و أحيانا يحرمه من المكافئات المالية التي تعطى للموظفين .

حسنا السيد كمال أدرك أنه محتاج لوسيلة نقل شخصية و نحن جميعا متفقون على ذلك . لكننا لم نحدد نوع الوسيلة ، هل هو يحتاج سيارة أو دراجة هوائية و دراجة نارية أو طائرة . 

السيد كمال قرر أخذ قرض لشراء سيارة مستعملة ، لذلك توجه لأحد الأبناك لأخذ قرض إستهلاكي يساعده على شراء سيارة مستعملة . 

موظف البنك سيسأله غالبا عن دخله و عمله ووضعيته العائلية و هل لديه قروض أخرى . و غالبا لن يسأله عن ماذا سيفعل بقيمة القرض لأنه قرض إستهلاكي ، و ما يهم هو الأسئلة التي ستحدد أجوبتها قدرة السيد كمال على تسديد قيمة القرض مع الفوائد .

في النهاية إذا كانت هناك الضمانات الكافية سيحصل السيد كمال على القرض . 

الآن لنعد قليلا إلى الخلف ، لنرى الفرق بين سلوك  الإقراض من أجل المساعدة و الإقراض من أجل تحقيق الأرباح . 

تخيل معي أن سيد كمال قابل متخصصا في التسيير أو مستشارا الإدارة المالية داخل البنك . و هذا المستشار سأل السيد كمال عن السبب الذي دفعه للاقتراض . و بعد ما سمع الأسباب الحقيقية . قال للسيد كمال أنه لا يحتاج شراء سيارة ، و أن دراجة نارية كافية لتحل مشكلة النقل لديه . فبالإضافة إلى أن قيمة القرض اللازمة لشراء سيارة هي أربعة أضعاف قيمة قرض لشراء دراجة نارية فمصاريف سيارة مستعملة هي أكبر من سيارة جديدة هذا دون إحتساب سعر التأمين و الضرائب المرتفعين مقارنة مع الدراجة النارية. 

المستشار المالي سيكون حريصا على السيد كمال و سيوجهه لأخذ قرض يلبي حاجياته دون توريطه . 

هذا النوع من الإستشارات و النصائح داخل أروقة الأبناك هو درب من الخيال لأنه لا يصب في مصلحة البنك . بل هناك أبناك تدفع لموظفيها علاوات على كل قرض يتم منحه للزبناء ، خاصة إذا كان سعر الفائدة متغيرا و غير ثابت . 

السؤال المهم في معادلة القروض ، هو كالتالي هل أنا فعلا مضطر للاقتراض؟ 

هذا السؤال غالبا لم نعد نجيب عليه في عصرنا الحالي . فالحاجة و الضرورة القصوى للاقتراض لم تعد هي العامل المحدد لأخذ القرض من عدمه .

اليوم أصبحنا نقترض لأتفه الأسباب.

أيها السادة و السيدات لقد أصبحنا نقترض لتغيير هاتف إشتريناه قبل سنة و لا زال يعمل بكفائة . فقط لأن الهاتف الجديد مدعم بخاصية الجيل الخامس من شبكة الوايفاي التي لا تتوفر أصلا في بلد الشخص المشتري .

نقترض لشراء خروف العيد. نقترض من أجل قضاء العطلة الصيفية خارج بلادنا. نقترض لإقامة حفلة زفاف تدوم ليلة واحدة . نقترض لشراء سيارة بمواصفات عالية تفوق حاجياتنا . نقترض لزراعة الشعر و تكبير كل ما هو صغير و تصغير كل ما هو كبير . نقترض لإقامة الجنائز المهيبة بطابع الفخامة . نقترض لتغيير لون السيارة. نقترض من الولادة إلى الممات . 

الحقيقة التي لا يرغب أحد في فهمها و الإعتراف بها ، هي أن الجميع لا يستطيعون العيش في نفس المستوى المادي. و أن تغيير المستوى المادي للفرد لا يأتي بالاقتراض،  لأنه تغيير مؤقت و غير حقيقي و مصطنع. 

التغيير الحقيقي يأتي عن طريق جني المال بالوسائل المشروعة . إما بالحصول على منصب رفيع براتب محترم ، أو التجارة الحرة لمن يرغب في تسلق أعلى درجات الغنى. 

المشكلة ليست في شراء سيارة فخمة أو قضاء عطلة نهاية الأسبوع على يخت خارج المياه الإقليمية. المشكلة ليست في إقامة حفلات الزفاف الضخمة و لا في تغيير الهاتف كل شهر... .المشكل هي أن تفعل هذا بمال لا تملكه حقيقة . بمال ليس لك. بمال يتجاوز قدراتك. المشكلة هي أن تستمتع لحظة و تعاني طيلة مدة الأداء . 

هل هناك عوامل خارج عن إرادتنا تدفعنا للاقتراض ؟ 

بالطبع . 

إذا قارنا بين رواتب الموظفين بين سنة 2000 و 2020  في الدول الغير المتقدمة فسنلاحظ أنها لم تتغير كثيرا بحجم السنين . فزيادة 100  دولار خلال 20 سنة على راتب شهري كانت قيمته سنة 2000 هي 600 دولار ، هي زيادة شبه منعدمة مقارنة مع زيادة حجم الإتفاق العائلي ما بين سنة 2000 و سنة 2020 . 

في الدول العربية سنة 2000 كانت الغالبية الساحقة من الأسر المتوسطة تدرس أبناءها في المدارس العمومية مجانا . لكن خلال ال 20 سنة الماضية ، تدهورت جودة التعليم العمومي بفعل فاعل . في مقابل الترخيص للتعليم الخصوصي . مما أجبر الأسر على دفع مصاريف إضافية لا تقل عن 150 دولار للطفل الواحد . بعدما كانت خدمة مجانية بالأمس . 

إذن خلال عشرين سنة رفعنا أجور الموظفين بقيمة 100 دولار . و أخذنا منهم  150 دولار . 

الآن لننظر للعادات الاجتماعية.  خلال فترة التسعينات و بداية سنة 2000 كان إستهلاك الوجبات السريعة نادرا. فحتى العاملون خارج البيت ممن لا يسعفهم الوقت لتناول وجبة الغذاء في البيت ، كانوا يأخذون معهم وجبات معدة منزليا.

لكن اليوم تغيرت ثقافتنا الغذائية. أصبحنا نعتمد كثيرا على الوجبات السريعة المعدة خارجة البيت، و التي تباع بأضعاف ثمنها الحقيقي ، إضافة إلى قيمتها الغذائية الهزيلة أو المنعدمة ، و غالبا ما تكون سببا في أمراض مستقبلية .

أصبحنا مع أطفالنا ندفع ثمن وجبة كاملة لثلاثة أشخاص مقابل وجبة صغيرة لشخص واحد . و لم يعد الأمر يقتصر على وجبة الغذاء . لقد أصبحت كل وجباتنا خارج البيت. حتى أطفالنا أصبحنا نطلب منهم شراء الفطور من الخارج بدعوى أننا لا نملك الوقت لإعداد وجبة الإفطار في البيت . 

لقد تغيرنا كثيرا ، أصبحنا مجرد آلات تعمل ليل نهار بهدف دفع أقساط الديون . ديون إستمتعنا بها للحظات ، و نقضي جزء غير يسير من عمرنا ندفع التكلفة . 

اليوم الزوج و الزوجة يشتغلان لكن الدخل بالكاد يكفي ، و غالبا يتجهان للإقتراض . 

لماذا كل هذا  ؟ هل لأن حياتنا تغيرت للأفضل؟ 

لا 

الأجيال الماضية فقط من تستطيع الشعور بقيمة تناول وجبة منزلية مع الأسرة. الأجيال الماضية تستطيع إخبارنا أن تقضية عطلة الصيف في منزل الجد أو الجدة تحقق نفس المتعة و الفرحة التي نسعى لتحقيقها اليوم بالسفر للخارج بهدف إمضاء عطلة الصيف بالاعتماد على القروض. 

اليوم ندفع كثيرا مقابل متع زائفة. الملايين يعملون طيلة اليوم ، لتذهب في النهاية أموالهم إلى جيوب العمالقة من ملاك الابناك و شبكات الوجبات الجاهزة و أصحاب المتاجر الكبرى و المراكز التجارية . 

اليوم ندفع 1000 دولار مقابل هاتف لا نستعمل حتى %40 من المميزات التي أقنعنا أنفسنا بحاجتنا إليها يوم الشراء . مع العلم أنه يوجد هاتف آخر يلبي الحاجيات اليومية بقيمة 400 دولار أو أقل . 

اليوم أصبحنا نقترض لشراء خدمات أو سلع لا تتوفر فيها صفة "الضرورة القصوى" ، نفعل ذلك فقط لإشباع رغبتنا الاستهلاكية أحيانا ، و لإقناع الآخرين أو أنفسنا أننا ننتمي لطبقة الأغنياء . و أحيانا نفعل ذلك بغرض المنافسة مع الآخرين. 

كل هذه التغييرات و تغييرات أخرى في نمط التغذية و العيش  تجعل رواتب الطبقة المتوسطة و الفقيرة غير كافية ، مما يجعلهم فريسة سهلة للأبناك . 

النتيجة النهائية و الحقيقة الظاهرة ظهور الشمس في يوم جميل ، هي أن الثروات تتكدس في يد فئة قليلة من البشر ، في حين تغرق الفئة الأخرى في الديون . ديون تعمل ليلة نهار لتسديدها ، حتى أنها أحيانا لا تملك الوقت للاستمتاع بالأمور التي صرف فيها القرض. 

هذا المقال ليس دعوة للتقشف أو للعيش بنمط سنة 2000 و ما قبلها. لكن هي دعوة لفهم الواقع . فالمؤامرة التي تحاك ضدك يوميا و عليك الاهتمام بها ليست من الماسونية أو مجلس إدارة العالم كما يصور لك أصحاب نظرية المؤامرة . لكن المؤامرة الحقيقية هي التي تستهدف جيبك يوما ، تستنزف عمرك و سنوات شقائك . 

المؤامرة الحقيقية هي تغيير نمط التفكير و العيش ، ليصبح التفكير الاستهلاكي هو السائد ، و ليصبح كل مواطن مدينا للأبناك ، شغله الشاغل هو العمل لدفع الأقساط و الإستمرار في الاستهلاك و أخذ المزيد من القروض . 

فكر جيدا قبل أن تتعاطى للقروض الإستهلاكية ، و أركز على هذا النوع من القروض لأنه أكثر إغراءا و أقل نفعا .القرض الاستهلاكي لن يشتري لك منزلا . و يسهل إقناعك بأخذه في المرة الأولى ، و يسهل عليك الإدمان عليه . لكن مع الوقت سيصبح القرض الواحد عشرة قروض . و ستغرق في قروضك الصغرى حتى الأذنين . 

إذا كان اليوم تعريف الشخص الحر، هو الشخص الذي يوجد خارج أسوار السجن . فمستقبلا سيصبح الشخص الحر هو من لا دين و لا قرض عليه. ستصبح الحرية هي الحرية و الإستقلال المادي وحده . ففكر جيدا هل أنت فعلا في حاجة ماسة للاقتراض . لأنك اليوم حر ، و قرارك قد يسلبك حريتك كاملة . 

تذكر أيضا أن الرقي الإجتماعي و الاستمتاع بالحياة أمر رائع ، لكنه يجب أن يكون من مال تملكه . 

و للتذكير فقط هذا المقال خاص بالقروض الاستهلاكية ، و نمط العيش المعتمد على تقديس الكماليات و جعلها ضروريات ، بطبيعة الحال بمساعدة البروباغاندا المالية .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

البتكوين : تعريف وشرح شامل عن البتكوين

اغلى الهواتف في العالم

العملات الرقمية : تعريف شامل